محمد بن اسحاق ابن العباس الفاكهي المكي

144

أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه

قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ « 1 » . يا أهل الحجاز ، قد بلغني [ أنكم ] « 2 » تعيّرونني بأصحابي ، وتزعمون أنهم شباب ، ويحكم وهل كان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلا شبابا ؟ شباب واللّه يكتهلون في شبابهم ، غائبة عن الشرّ أعينهم ، ثقيلة عن الباطل أرجلهم ، أنضاء « 3 » عبادة ، وقد نظر اللّه - عزّ وجلّ - إليهم في جوف الليل ، محنيّة أصلابهم على أجزاء القرآن ، إذا مر أحدهم بالآية فيها ذكر الجنة دعا شوقا إليها ، وإذا مر بالآية فيها ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه ، موصول كلالهم بكلالهم ، كلال الليل بكلال النهار ، قد أكلت الأرض ركبهم وأيديهم وجباههم ، فاستقلّوا ذلك في جنب اللّه - عزّ وجلّ - حتى إذا رأوا السهام قد فوّقت « 4 » ، والرماح قد أشرعت ، والسيوف قد انتضيت ، وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت / استخفوا رعد الكتيبة في ذات اللّه - تعالى - فمضى الشباب منهم قدما ، حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه ، وتخضبت بالدماء محاسن وجهه ، وأسرعت إليه سباع الأرض ، وانحطت عليه طير السماء ، فكم من عين في منقار طير طالما بكى صاحبها في جوف الليل في سجوده للّه - تعالى - وكم من كف زالت عن معصمها طالما اعتمد عليها صاحبها في ركوع وسجود للّه - تعالى - . ثم قال أبو حمزة : هاه ، هاه ، وانتحب ، ووضع كمّه على وجهه ، وبكى ، وبكى الناس لبكائه ، وقال للناس : لشتان [ بين ] « 5 » من يدعوكم

--> ( 1 ) التوبة ( 30 ) . ( 2 ) سقطت من الأصل . ( 3 ) الأنضاء : جمع نضو ، وهو في الأصل : البعير المهزول من السفر ، يريد أن العبادة هزلتهم فأنحفتهم . ( 4 ) فوّقت : جعلت لها الأفواق . والفوق : موضع الوتر من السهم . اللسان 10 / 319 . ( 5 ) سقطت من الأصل .